الوقت - ابعاده ومفاهيمه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الوقت - ابعاده ومفاهيمه

مُساهمة  سقراط الاشقر في السبت يوليو 05, 2008 10:12 pm

بقلم وليد فرح
مجلّة الأبعاد الخفيّة – شهر أيلول 2006


الوقت، كلمةٌ صغيرة تحوي في طياتها معانٍ كثيرة، عميقة، وبعيدة. فبين السنة والشهر، اليوم والساعة، الدقيقة والثانية، قاسِمٌ مشترك يمثل أجزاءً من الوقت. فهل تفكرنا يوماً في معنى السنة بالنسبة لكهل، أو الشهر لعائلةٍ تنتظر مولودَها البكر؟!! هل تأملنا في بطء الساعات التي تفصل بين حبيبين ينتظران موعد اللقاء؟ كم من مرةٍ ننظر إلى عقارب الساعة لنحدد وجهة مسارنا ونقيَم خطواتنا؟!! وهل يوجد أهم من الثانية لعَدّاءٍ يسعى لإحراز لقب البطولة؟ لعلَّ هذه الصورة تجعلنا نرى أوجُهَ الوقت المختلفة وأهميته في حياتنا على الصعد كافة.

على الإنسان أن يتقصى الأبعاد الخافية للمفاهيم العامة وبينها مفهوم الوقت، وعلوم باطن الإنسان – الإيزوتيريك تفيد أنه "سيأتي اليوم الذي يكون فيه الوقت أثمن من الحياة". هذه العبارة البليغة تدعو المرء للتفكر في الوقت، في أهميته وأبعاده... وفي سُبُل الاستفادة منه إلى أقصى حد. ولكي يكون الوقت عاملاً إيجابياً في حياة الإنسان، لا بد من البحث عن السبل الأنجع للاستفادة منه. والأهم من تلك السبل ربما يتمثل في تحديد مهلة إنهاء العمل ((Deadline. إذ أن التنظيم المطلوب للاستفادة من الوقت من جهة، وتعبئته على أفضل وجه من جهة أُخرى، يحتم علينا وضع المهل الزمنية المحددة لكل عمل مهما كان نوعه على حد سواء.

يُعرّف قاموس Webster كلمة Deadline والمرادفة لكلمة Time Limit "بالوقت المعيّن لإنهاء عملٍ ما قبل أن يخسر المرء الفرصة أو ينال جزاءً على تأخره". لعلّ هذا التعريف اللُغوي المبسط يحمل في طياته مفاهيم عدة: فبين اقتناص الفرص المتاحة وضياعِها يكمن سر من أسرار التطور الحياتي المتمثل في ثلاثية "نظام – تنظيم – انتظام". هذا النظام المنعكس أصلاً من نظام أرقى وعياً يتجلى في شتى المجالات والميادين من حولنا بدءاً من الكون ونظامه وصولاً إلى الأُمور الحياتية العادية. على سبيل المثال، إن النظام الدراسي يمنح الطالب مهلة محددة لإنهاء البرنامج المخصص له. تلك المهلة تضعه أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن يعمل بجد واجتهاد فيرتفع إلى الصف التالي، أو أن يُهمِل دراستَه ويَهدُر الوقت وبالتالي يخسر فرصة الارتقاء ويعيد عامه الدراسي. مثالٌ آخر على صعيد العمل، معلوم أن الشركات الكبرى تضع برامج عمل مختلفة ضمن توقيت محدد لتحقيق تطلعاتها المستقبلية، فيكون للوقت العامل الأساس في نجاح أو فشل تلك المخططات.

هنا لا بد من السؤال: هل باستطاعة المرء أن يسير قُدُماً دونما تحديد أهدافه؟!!! وهل يُِعتبَر تخطيطهُ كاملاً إن لم يُحدِد مُهلاً زمنية لتحقيق تلك الأهداف؟! و هل بغير تعبئة الوقت بالعمل اللازم يستطيع المرء تحقيق ما يصبو إليه؟؟؟

قبل أن نتوسع في مفهوم تحديد مهلة العمل وأبعاده، يطيب لي أن أستشهد بما ذكرته علوم الإيزوتيريك (www.esoteric-lebanon.org) بأن: "النظام أب الزمن فيما الوقت ابن الزمن. أما الساعة والدقيقة والثانية فهنَّ أبناء الوقت. لذا وكوننا على الأرض لا نستطيع أن نحتوي الزمن بدائرته الكبرى إلا من خلال تقدير الوقت بدائرته الصغرى، وهذا الأخير لا ينجز دون تحديد مهلة معينة لإنجاز العمل".

في ضوء هذا الاستشهاد، نستنتج أن تحديد مهلة إنجاز العمل هي بمثابة دائرة تتسع وتضيق بحسب نوع العمل المُراد إنجازَهُ، وبحسب مستوى وعي الفرد نفسه. المثال التالي يوضح المقصود: إذا أراد شخص ما القيام بعملٍ معيّن، يبدأ أولاً بوضع أُطر تصويرية عامة لهذا العمل، ثم يقوم بدراسة موجِبات العمل مع التفاصيل الصغيرة، إلى جانب تصور مراحل التنفيذ الدقيقة. هنا يأتي دور الدائرة الأكبر والتي تحوي كل ما سبق وهي تتمثل بتعيين المهلة المطلوبة لإنجاز العمل. عند تحديد تلك الدائرة تكون المعطيات اكتملت ليبدأ العمل الفعلي أي التنفيذ. إذ أن التفكير بنوع العمل والتخطيط له يبقيان ضمن دائرة الأمنيات إن لم يجدا مركزهما ضمن دائرة التطبيق العملي. والأهم إن رسم تلك الدائرة يتحدد من خلال ثلاثة عوامل أساسية، هي: المنطق، الموضوعية والصدق. فالمنطق مطلوب لتقدير الطاقات المتوفرة؛ أما الموضوعية فهي في توظيف تلك الطاقات في أماكنها الضرورية لدرس الإمكانيات كي لا تكون المهلة غير كافية. أما الصدق فهو إلزامي لعدم العبث في تقدير الوقت الكافي لإنجاز العمل. فغياب المنطق والموضوعية يشكلان أحد أسباب الفشل المسبق. فيما عدم الصدق يعني الوقوع في بؤرة التأجيل اللاواعي وهذا ما يشكل فشلاً متتالياً ومتمادياً. من هذا المنطلق نستطيع القول أن ثلاثية "منطق – موضوعية – صدق" بمثابة المحور الذي من خلاله تنطلق حدود دائرة المهلة المطلوبة لإنجاز العمل والمبني على التطبيق العملي العملاني...

وهنا نتساءل كيف لتلك العملية أي (تحديد مهلة إنجاز العمل) أن تشكل منطلقاً يساعد في تطوير حياة الفرد ؟

إن كتاب الإيزوتيريك الثالث والثلاثون "حوارات بين كائنات السماء" بقلم ج.ب.م يجيب عن السؤال المطروح في صفحة 17 مفسراً التالي: " ... حين تفكر كيانك ككل يفكر... حين تشعر، كيانُك ككل يشعر... وحين تتحرك، كيانُكَ ككل يتحرك! هذه هي الحال في طبقات الفضاء (عوالم ما وراء الأرض) وإن بنسب متفاوتة. أما هناك، في عالم الأرض، فجزء من كيانِك يفكر... وجزءٌ آخر يشعُر... وجزءٌ ثالث يتحرك! قد لا يكون هناك ترابط بين الأجزاء الثلاث (أجسام النفس الدنيا) إذ ليس من انسجام وتنسيق أعمال فيما بينها...". أما عن مهمة الإنسان على الأرض، فيُفصِح الكتاب المذكور في صفحة 22 " باختصار، هي تحقيق التوازن بين مكونات النفس الدنيا (الجسد – المشاعر – الفكر) وأنت تمارس واجباتك ومسؤولياتك الأرضية الخاصة والعامة".

انطلاقا من الاستشهادات المذكورة، نستنتج أن تحديد مهلة إنجاز العمل (إرادياً) بما تتطلبه من أسس صحيحة، والعمل بصدق ومحبة، هو ما يساهم في تفعيل التوازن بين الجسد والمشاعر والفكر وتنسيق الأعمال بينها!

إذاً حين يحدد المرء المهلة لإنجاز أي عمل، يحضِّر العناصر التي قام بدراستها ويضع التخطيط الكافي للقيام بها في قالبٍ متجانس لا ينقصه سوى التفعيل. وتبقى الأجهزة المستعملة لإنجاز ذلك العمل هي: الجسد - المشاعر – والفكر. والجدير ذكره أن التوازن والتفاعل بين أبعاد النفس البشرية هذه يحظى بمباركة الذات الإنسانية جراء تعبئة الوقت بالأعمال الإيجابية. وكأن الذات تعمل إلى جانب النفس لإنجاز المطلوب...

وكي نفهم المقصود عن كيفية عمل أجهزة وعي النفس والذات مزامنة، علينا مراقبة أنفسِنا عند القيام بعملٍ ما كنا قد خططنا له ووضعنا الأسس لإنجازه ومن ثم حددنا المهلة الكافية لإنهائه. عبر هذه المراقبة سنختبر التالي:

أولاً: نشاطٌ على صعيد الجسد وكأنه قد شُحن بطاقةٍ إضافية تساهم في إبقائه مستعداً لتحمل الأعباء المترتبة.

ثانياً: هدوء على مستوى المشاعر ناتج عن حب العمل والرغبة في تنفيذه، يساهم في إبقاء النفس متأهبة لأي عائقٍ يطرأ.

ثالثاً: سرعة في التفكير والتحليل والتمييز والاستنتاج ناجمة عن حدة التركيز في تطبيق ما خُطط له سابقاً. إلى جانب التوثب واتخاذ القرار المناسب في الحالات المستجدة وغير المتوقعة.



تناغم تلك العوامل الثلاثة إضافةً إلى هدوء المشاعر والتوثب الفكري هو أول ما يلمسه المرء نتيجةً لتحديده مهلة إنجاز العمل بصدقٍ ومحبة، بصدق التخطيط ومحبة التطبيق. فالصدق يوقظ الإرادة في النفس فيما المحبة تقوم بمباركة العمل، فيكون الوعي ثمرة التفاعل لإنجاز ذلك العمل. هذا الوعي المكتسب ليس سوى نتيجة للتوازن الباطني الذي حققه المرء عبر تفعيل ثلاثية "جسد - مشاعر – فكر" ضمن دائرة واحدة موحدة.

وقد أسهب كتاب الإيزوتيريك التاسع والعشرون "تعرف إلى وعيك" في الشرح عن هذا الموضوع في صفحة 77 ذاكراً أن: "تفعيل الأجسام الباطنية وتطويرها مجتمِعةً في الوقت عينه، كذلك الإفادة من الفرص السانحة وفهم عِبَر الحياة... يعني أن كل ذبذبة إيجابية مكتسبة ستنعكس إيجاباً في الكيان ككل فتتوسع مساحة الوعي وتنقص مساحة اللاوعي ويتضاءل الظلام.".

أوليس عمل الجسد والمشاعر والفكر كوحدة هو نتيجة التناغم الحاصل مع تفتح الوعي فينا على دور كل من تلك الأجسام أو أجهزة الوعي؟!

من هنا بات جلياً أنه عبر تحديد مهلة إنجاز أي عمل، مهما تنوع أو اختلف، تتسارع حركة ذبذبة الوعي في الإنسان فيحصد النتائج تلقائياً على الصعد عامة.

ومن أهم تلك النتائج، التأثير الإيجابي الذي يحصده الكيان الإنساني والذي نوجزه بالتالي:

أولاً: تقوية الشخصية عبر تعزيز المجابهة والمواجهة عن طريق أخذ القرار والالتزام به. (نتيجة توحد الفكر والقول والعمل).

ثانياً: شحذُ الإرادة وتوجيهُها في مسار التطبيق العملي.

ثالثاً: عدا عن الخبرات المكتسبة نتيجة التطبيق العملي فإن استنباط أفكار عملية ومستقبلية جديدة ومتجددة ترد إلى فكر المرء عند دراسة النواقص أو الأخطاء التي رافقت عملية التنفيذ.

فبين تقوية الشخصية، شحذ الإرادة، واستنباط الأفكار يكمن مسار التطور الحياتي والباطني. إذ أن محاربة السلبيات في النفس واستبدالها بالإيجابيات تتطلب شخصية قوية ومواجهة المصاعب يلزمها إرادة نافذة وفكر مركّز. أما المستقبل فهو يفرِض على كل من يطمح إلى الوعي والتطور أن يستنبط أفكاراً جديدة ومتجددة.

طبعاً، هذا قليل مما يحصل حين يحدد المرء بنفسه مدة إنجاز العمل ويلتزم به! فالالتزام هو المعيار الكاشف لمدى صدق المرء مع ذاته الإنسانية أولاً، ومع نفسه البشرية ثانياً.

وقد يتساءل البعض "ما المانع في تغيير موعد إنجاز العمل إن كان المرء هو من حدده بملء إرادته؟".

والجواب ببساطة السؤال وهو أن النظام (ونظام وعي الباطن) يحاسب المرء على مدى التزامه بقراره بغض النظر عن نوع العمل وأهميته. هذا من جهة، أما من جهةٍ أُخرى فعدم الالتزام بالمهلة المحددة لإنجاز العمل يعني أن المرء قد نكث بالعهد الذي قطعه على نفسه. وهذا يعزز بدوره السلبيات ويعمقها في النفس طبعاً دون أن ننسى الأنا (EGO) التي تقوى ويشتد مفعولُها.

ومن الجدير التنويه به هنا أنه حين يلتزم المرء بمهلة إنجاز العمل، تتسارع حركة الذبذبة في الكيان وترتقي إلى مستوى أعلى من التذبذب، مما يسهل عليه العديد من الأمور ويفسح مجال المساعدة من كل الذبذبات المحيطة به. أما إذا استمر المرء بالتأجيل والمماطلة والمراوغة إلى جانب عدم احترام الوعود، سيصعب حتماً عليه العمل وتضيق مدى حرية تصرفه، وتُفرض عليه مهلة أقصر من سابِقتها لتنفيذ العمل. وهذا ما يشكل ضغطاً نفسياً تكثُر معه الأخطاء، فتكون النتيجة مزيد من التأخير ومزيد من تدني الذبذبة.

في هذه الحالة، وبالرغم من أن المهلة الجديدة هي لصالح المرء نفسه، إلا أن التفاعل مع العمل يختلف كلياً خصوصاً أن المعطيات قد تتنافر أو حتى تتداخل فيما بينها ما يؤهل ظهور الفوضى وحصول التالي:

أولاً: يجد الجسد نفسه مرغماً على العمل إلى حد الشعور بالتعب المتواصل .

ثانياً: تضطرب المشاعر فينشأ صراعٌ داخليٌ نتيجته تشرذماً وضياعاً.

ثالثاً: يضعف عمل الفكر ومعه تضعف القدرة على التركيز. بالرغم من سعيه للإحاطة بجميع المعطيات وتنظيمها.

وإذا قارنّا بين الاكتسابات التي يحققها المرء عند الالتزام بمهلة إنجاز العمل، مع تلك التي يتوصل إليها بعد تأجيل العمل والمماطلة في التنفيذ، نجد أن الحالة الأولى تُكسب المرء وعياً جديداً نتيجة تناغم أبعاد (أجسام) نفسه الدنيا وتوحيدها لتنفيذ العمل، مما يسهل عليه اكتساب مزيد من الخبرة التي يحتاجُها، إلى جانب نشاط إضافي يساعده على القيام بالمتوجبات الأُخرى. في حين أن الحالة الثانية (أي المماطلة) تسلب المرء شعور الراحة فيشعر بوطأة المسؤوليات لكثافة المتوجبات إلى جانب الشعور بالتوتر الداخلي مما يجعله يسعى جاهداً إلى الراحة بعد الانتهاء من العمل.

"نظام - تنظيم – انتظام"، ثلاثية حياتية أوضحتها لنا علوم الإيزوتيريك ضمن منهجٍ كاملٍ متكامل. تلك الثلاثية ما فتئت علومُ الإيزوتيريك تشدد عليها وتوضح أبعادها ومفاهيمها إن كان على الصعيد الحياتي العملي أو على الصعيد الباطني في الإنسان. أما العامل الأساس لخلق التفاعل في تلك الثلاثية فهو تحديد المهلة لإنجاز أي عمل من دون أن يسهى عن بالنا ثلاثية "منطق - موضوعية - صدق" التي تجعل دائرة تلك المهلة قابلة للتنفيذ.

ختاماً يبقى أن نذكِّر بأهمية تقدير الوقت والعمل على تعبئته بالأُمور المفيدة والسعي لإنجاز أعمالِنا بأقصر مهلة ممكنة. فبالرغم من أن الالتزام بمهلة العمل يعتبر إنجازاً إلا أنه يبقى ضمن دائرة النجاح، فيما إنجاز العمل بمدةٍ أقل من ما حُددَ لهُ يرتقي بالمرء إلى دائرة التفوّق. هكذا يُحترم الوقت وبذلك يُختصر الزمن.


المراجع : www.esoteric-lebanon.org


عدل سابقا من قبل sokrat في الأربعاء ديسمبر 17, 2008 6:43 pm عدل 1 مرات
avatar
سقراط الاشقر
Admin

عدد المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 04/07/2008
العمر : 39
الموقع : www.sokrat.my-goo.com

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://sokrat.my-goo.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مقالتك جميلة

مُساهمة  جاد جميل في الإثنين ديسمبر 15, 2008 2:41 pm

مقالتك جميلة يا سيّد سقراط، وكتابتك ملهمة... شكراً على هذا المجهود.
أنصحك أنتنشرها في مجلة العربي
سلام

جاد جميل

عدد المساهمات : 1
تاريخ التسجيل : 10/11/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى