تركيز – تأمل – تمعّن ( من منظار علوم الإيزوتيريك )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تركيز – تأمل – تمعّن ( من منظار علوم الإيزوتيريك )

مُساهمة  julia في الأربعاء يوليو 09, 2008 5:01 am

يعتقد الكثير أن الأسئلة التي يطرحونها في حياتهم، تنطلق من الدماغ. أما الإجابات فيبحثون عنها في المحيط من حولهم، في الكتب والمراجع وعند ذوي الاختصاص... إلى ما هنالك من وسائل وآخرها شبكة الانترنت.

أما في عرف علوم الباطن الإنساني - الايزوتيريك، فتختلف المفاهيم، إذ توْضِحُ أولا أن الدماغ ليس مقرّ التفكير، بل هو أداة العقل المنفذة في الجسد، أي هو منفِّذ التفكير! من هنا يتبيّن أن الأسئلة التي يطرحها المرء ليس مصدرها الدماغ بل العقل، ذلك الجسم الباطني أو الجهاز الذبذبي التكوين، الذي يرسلها إلى التجاويف أو الفراغات القائمة في الدماغ، حيث تُبرمج هناك ومن ثَمَّ توجًّه عبر القنوات العصبيّة... أي تترجم بدورها من الطبيعة الذبذبية إلى سؤالٍ يتناوله الفكر.

علماً بأنَّ الإجابات التي يبحث عنها الإنسان في شتى المراجع في الخارج، هي في الواقع كامنة أصلاً في صميم نفسه وذاته! وبالتحديد، فإنّ حقيقتها الصحيحة تتفاعل في أغوار باطنه اللاواعي له، وليس في الخارج. لا بل ذلك الجواب، أو القسم الذي يعيه المرء من الجواب، هو الذي يحث السؤال على الانطلاق من العقل إلى الدماغ. إذ أن ذبذبات هذا القسم من الجواب، بعد أن استيقظت، اجتذبت تساؤلاً أو سؤالاً من عالم الأفكار لتتفعّل من خلاله فتنعكس معرفةً، أولاً في محيط الفكر، ثمّ وعياً في محيط المادة جرّاء التطبيق العملي.

تقنيّة البحث في المعرفة:

من هنا نفهم قول سقراط "اعرف نفسك، تعرف كلّ شيء"، لكن يبقى أن نقدّم تقنيّة "اعرف نفسك" لتخطي التنظير ارتقاءً نحو التطبيق والانجاز... فإذا كانت المعرفة هاجعة في داخل الإنسان، كذلك هي الأداة التي يتعرّف الإنسان من خلالها إلى المعرفة.

وإذا كانت الإجابات والأسئلة من مصدر وطبيعة لامادية، فما هي التقنية أو الأداة التي يتوصل من خلالها الإنسان لسبر أغوار تلك الأبعاد اللامادية، واستلهام الأفكار والحقائق الجديدة؟ وهل يجب أن يبقى ذلك الاستلهام رهن مزاج النفس وحالتها أم أن على الإنسان أن يطوّر نفسه ومقدرات الوعي الهاجعة فيه للارتقاء خارج تلك المحدودية؟!

إن العلوم بمختلف تفرعاتها والفلسفات بشتى توجهاتها تسعى إلى اكتشاف الأسرار والحقائق الخافية لاستخلاص معادلات معرفية جديدة. أما منهجية بحثها فاعتمدت على ازدواجية قطبين: أولهما الساعي، أي العالِم أو الباحث؛ والثاني الهدف أي الاكتشافات المرجوة أو حقائق المعرفة في شتى فروعها... وبين هذين القطبين نرى الباحث، نقطة المحور؛ والحقائق، بمثابة المدارات حول المحور؛ بينهما تمتد مسارات التطور والتعلّم والاستلهام، وتتوسع لتطال تفرُّعات جديدة وحقائق أسمى.









و في معظم العلوم المادية، ينطلق الباحث من المعطيات والنتائج الأرضية الظاهرة في واقعه، كونه لا يدرك غيرها، فيحللها ويدرس تركيبة معادلاتها في قاعدة فكرية "تفكير، تحليل، تمييز واستنتاج"، ريثما يتوصل، بعد عدة تجارب، إلى استخلاص إجابات يضيفها إلى المعطيات والتساؤلات التي انطلق منها. وهكذا دواليك، حتى يصل الباحث إلى حقائق جديدة واكتشافات كانت خافية عليه، أو ربما لم يكن يعلم بوجودها. لكن استنتاجاته تبقى أسيرة المعطيات المادية من حوله، كونه لا يعترف بوجود الأبعاد اللامادية أو التقنيات الباطنية التي تتخطى حدود الفكر...

ركيزة البحث الباطنية "تركيز، تأمل وتمعّن":

أما منهج البحث في العلوم الباطنية، فيعتمد أيضًا على هذه القاعدة الفكرية الأفقية، لكنه لا يقتصر عليها، بل يضيف إليها الركيزة الباطنية: "تركيز، تأمل وتمعّن" ليكمّلها.

بذلك ما يربط المحور – الباحث، بالمدارات أو بالدوائر – الحقائق، يتمثَّل بمثلثات بين المحور والدوائر، أضلعها قائمة على الركيزة الباطنية: "تركيز، تأمّل وتمعن"، وتفعيل هذه المثلثات يملئ الدوائر لتشكل بدورها محوراً لدوائر أوسع...




نشرح الركيزة الثلاثية كالتالي:

1. التركيز (Concentration): يحدد الهدف أو موضوع البحث ويوجِّه طاقة الفكر والوعي نحوه، ويحصرها فيه. (الاتجاه: من الباحث نحو المعطيات)

2. التأمل (Meditation): هو حال صمت فكري، يتلقى فيه الباحث ما يُكْشَف له من طيّات الذاكرة الحالية او الذاكرة الباطنية (مخزون وعي الباطن) حول ذلك الموضوع. هنا تُكْشَفُ له حقائق مستحدثة. (الاتجاه: من حقائق الباطن إلى الباحث)

3. التمعّن (Contemplation): هو ربط ما يتلقّاه في عملية التأمل بموضوع البحث الذي سُلِّطَ عليه تركيز الفكر قبل التأمل، كأنما يترجم الذبذبات إلى أفكار بمنطق المفهوم الحسّي.



من هنا نفهم أهمية تلك الركيزة الباطنية ولا سيما التأمل، في البحث والاستكشاف، إلا أن التأمل أوسع وأشمل من أن نحصره في مجال معيّن. فالتأمل في الدرجات المتقدمة، هو بمثابة رحلة في مركبة الأجسام الباطنية (Mar-ka-ba)،ينطلق فيها المتأمل خارج الجسد المادي، إلى عالم المجهول، في خفايا الذات الإنسانية. أما التركيز فيعمل كوقود لتلك المركبة قبل الانطلاق. وهنا يكمن سر كلمة MAR-KA-BA الذي يرتبط معناها في اللغة المصرية القديمة بانطلاقة الأجسام الباطنية...

الفارق بين التركيز والتأمل والتمعّن:

قد نجد اختلاطاً بين تلك المصطلحات الثلاث (تركيز Concentration، تأمل Meditation وتمعّن Contemplation)، في بعض مدارس اليوغا أو معاهد الرياضة الفكرية والاسترخاء الجسدي. إلا أن تقنية كل واحدة منها تختلف كل الاختلاف عن الأخرى، كذلك نتائجها. فالتركيز عملية عقلية وإرادية تتحقق من خلال الدماغ وشبكة الأعصاب، تتراوح درجة مقدرتها بحسب تدرّب الإنسان على استعمالها وتطويرها، فيما التأمل عملية باطنية، لا علاقة لها بالفكر، ترتبط بالأجسام الباطنية وبالشاكرات والغدة النخامية التي يتلقى المرء عبرها، من جملة ما يتلقى، الأفكار والإجابات والصور والحدس والاستلهام (Intuition)... إلى جانب الغدة الصنوبرية، (مركز الرؤيا الباطنية)، وفراغات الدماغ والفراغات غيرها... أما التمعن فهو عملية فكرية وباطنية ترتبط بأقسام الدماغ ووظائفه المتعددة التي تُبَرمَج من خلال الفراغات فيه؛ وترتبط عملية التمعن أيضاً بالغدة النخامية التي تترجم ما التقطته الغدة الصنوبرية من ذبذبات، وتحولها إلى معارف معلومة، حسب ما تشرحه علوم الإيزوتيريك بالتفصيل في مؤلفاتها العديدة.

في سبيل التبسيط، نستطيع تشبيه "التأمل، التركيز والتمعّن" بتكنولوجيا البحث على الإنترنت التي ليست سوى نموذج أوّلي لتلك القاعدة الباطنيّة، حيث يباشر المرء أولاً بتحديد عنوان البحث (تشبيهاً بالتركيز)، ثم يتلقى المعطيات بشكل رسائل كهرومغناطيسية، كمرحلة ثانية (تشبيهاً بالتأمل)، إلى أن تتجلى النتيجة على شاشة جهاز الكمبيوتر في شكل كلمات مفهومة بعد الترجمة كمرحلة ثالثة (تشبيهاً بالتمعّن). هكذا يعمل الدماغ البشري لمن يعرف كيف يستعمله. طبعاً، يعمل على شكل أوسع وأعمق من الدماغ الالكتروني.

نستطيع أيضاً تشبيه تلك القاعدة الباطنية بجهاز تصوير أو مرآةٍ عاكسة في غرفةٍ (تُمَثِّل مخزون معين من وعي الباطن). التركيز هنا بمثابة توجيه جهاز التصوير نحو ناحية معيّنة محددة في الغرفة... التأمل هو انعكاس الحقائق البارزة في تلك الناحية على عدسة التصوير أو المرآة. فيما التمعن هو كناية عن تظهير الصور التي التقطت. نضيف أن إضاءة تلك الغرفة ترتبط بمدى منطق حكمة العمل عند الباحث، فيما إزالة السلبيات هي بمثابة إزالة الحجب والغشاء عن عدسة التصوير.

الرؤية تتم من خلال التركيز... والرؤيا من خلال التأمل.

التطور الأفقي يدعمه التركيز بزخمه، والتمدد العمودي يدفعه التأمل.

التركيز يختصر مدة الوقت، فيما التأمل يتخطى عامل الزمن...

التركيز يوضّح الواقع، والتأمل يلامس الحقيقة.

التأمل حقيقة انعكست في الواقع
أو ذبذبة تلقَّفَتْها النفس

كما الزهرة تتلقى الهواء الرطب

التمعن هو تكثف ثم تحوّل تلك الذبذبة

كتكثُّف الهواء الرطب وتحوله قطرات ندى
ويبقى السر في طاقة التركيز قبل التأمل

كما هو في برودة الزهرة قبيل استقبال الندى
إذأً في التأمل تتلقى النفس الدنيا ذبذبات سامية من الذات العليا، ويشرح الإيزوتيريك في كتاب "تعرّف إلى وعيك" بقلم د. جوزيف مجدلاني، أن "النفس البشرية هي مختبر الذات الإنسانية، والوعي حصيلة الاختبار. إن كلّ تجربة في حياة الإنسان تحمل رسالة محددة... والتجربة لا تتحوّل وعياً إلا من خلال إدراك الرسالة التي تحملها، والتعلّم منها، فتتمدّد رقعة الوعي (النور) وتبتلع اللاوعي (الظلمة) شيئاً فشيئاً."

التوازن بين الباطن والظاهر:

معلوم أن العديد من مدارس المعرفة واليوغا والفلسفات الشرقية تُشَجّع طلابها على الركون أوقاتاً طويلة في التأمل والتفكير، فيما علوم باطن الإنسان – الإيزوتيريك تشدد على أن التأمل والتركيز، فنون لا تكتسب بالعناء بل عبر منهج متدرج لتفتيح رقائق الوعي... الأهم أن لا يختل التوازن بين التركيز والتأمل والتمعن في الحياة اليومية، فنقصان التركيز يؤدي إلى حالة الشرود، ونقصان التأمل إلى فكر أفقي أرضي، ونقصان التمعّن إلى ضعف في المدارك وتباطؤ في التفكير. علماً أنه إن لم تقترن المتطلبات بالتطبيق العملي، فلا فائدة ترجى من أي شيء.

كلّ ما ذكر يحصل بالقوة، ولا يتممه التمعّن بالفعل إلا في التطبيق العملي في حقل وعي الظاهر عبر الممارسات والتصرفات اليومية. لذا بالرغم من ضرورة التمارين الباطنية المدروسة والسليمة في هذا الصدد، لا تتطور قاعدة "تركيز – تأمل – تمعّن" فعلياً إلا في معترك الحياة التطبيقية والعملية. حيث الفكر تارةً يركز على فكرة معيّنة، وتارةً أخرى يصمت ليستلهم ما لم يدركه ثم يُمْعِنُ النظر بما استلهمه أو تلقاه، وعياً منه أو لاوعياً...

ويبقى السؤال، كيف يختبر المرء هذه القاعدة الباطنية، ولو بشكل متقطع، في مجمل أوقاته وفي شتى الميادين والأعمال والفنون؟

في الفن عامةً: التركيز إرادة الانجاز ومجهود مركز لتحقيقه،
والتأمل يشكّل الفكرة والرؤيا والإبداع.
في الموسيقى: التركيز دقة اللحن وتركيبة نوتاته،
فيما التأمل رقة النغم وروعة تقاسيمه.
في فن الطهي: التركيز في تحضير مواد الطبق ثم استكمال طهيه،
فيما التأمل يكمن في سر مذاقه ولطافة منظره ورائحته الذكية.
في الصفات الإنسانية: التركيز كقوة الرجل، والتأمل كجمال المرأة...
في صقل الفكر : التركيز تمرينٌ وتنظيمٌ له، فيما التأمل توسيعٌ لأفقه.
في هندسة البناء: التركيز دعمٌ وتثبيتٌ، والتأمل توسعٌ وامتدادٌ.
في الكتابة والتأليف: التركيز في الأسلوب والتنسيق...
فيما التأمل يتبدّى في تسلسل المعنى وتوضيح الأبعاد.
أما في بحر الوعي، فالتركيز قوةُ دفع تَمْخُرُ أمواجه،
فيما التأملُ مدٌّ يعقب الجَزْر،
يوصِلُ الشاطئ بالأفقِ، والحاضرَ بالأبدِ
ويَجْلي التمعّن من أبخرة الزَّبَدِ...

julia

عدد المساهمات : 1
تاريخ التسجيل : 08/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى