عَبْرَة الألم تتحوّل إلى عِبرة وعي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

عَبْرَة الألم تتحوّل إلى عِبرة وعي

مُساهمة  سقراط الاشقر في الأربعاء يوليو 09, 2008 5:39 am

الفحم يتحوّل ماساً تحت الضغط الشديد عبر دهور طويلة في قعر الأرض... وحبة الرمل تُصْقَل لؤلؤةً في تفاعل كيميائي بعد سنين طويلة في قلب المحارة... ودودة القزّ في شرنقتها تصبح فراشةً بعد أيام.

تختلف تفاصيل المعادلة ومدة التحول أو زمن التحول، لكن الجوهر المشترك يبقى في ذلك التفاعل الداخلي (التطور) الذي يرافق كلّ عملية تحوّل، إن كان تفاعلاً نتيجة ضغط أو حرارة في عالم المادة، أو أوجاعاً في عالم الكائنات الحيّة، وصولاً إلى الألم في نطاق النفس البشريّة وانتهاءاً في المعاناة على صعيد الذات الإنسانية وما يتعدّاها...

ما هو الألم؟ وما هي ماهيته وطبيعته؟

كتاب الإيزوتيريك الرابع والثلاثون "محاضرات في الإيزوتيريك – الجزء الثالث" الذي صدر حديثاً في كانون الثاني 2005 (بقلم الدكتور ج. مجدلاني) يعرّف الألم بأنه إحساس أو شعور مزعج، ينتج إما عن دخول جسم خارجي غريب إلى الجسد أو النفس، وإما عن نشوء فراغ في الجسد أو النفس!

- النوع الأول سببه خارجي...

- والنوع الثاني سببه داخلي...

يشرح الكتاب أن النوع الأول يولّد نوعاً من التصادم وعدم تجانس بين الداخل والخارج، فينشأ الألم. مثال على ذلك، ضغط خارجي شديد على ناحية من أنحاء الجسد، أو دخول أي جسم غريب إلى الجسد كالجراثيم مثلاً. أو على صعيد النفس، عندما تخترق ذبذبات حزن أو كآبة الجسم الأثيري وتتوغّل في جسم المشاعر عند تواجد المرء ضمن مجموعة من الناس تعاني من الكآبة، أو الخوف، أو الحزن... أما النوع الثاني من الألم فهو ناجم عن فراغ معيّن في الجسد أو النفس. فالصداع مثلاً ليس سوى وجود ذبذبات فارغة من الحيوية في الرأس... أو شرايين لا يصلها الدم بشكل طبيعي، أو جفّت من الدم! أما في النفس فشعور الفراغ النفسي يسبب الألم!

يشرح كتاب “"محاضرات في الإيزوتيريك – الجزء الثالث" أن معظم الآلام النفسية ناجمة عن وجود ذبذبات سلبية في النفس تتفاعل وتتصادم مع الذبذبات الإيجابية، فتحاول هذه الأخيرة احتواء الأولى أو إخراجها من الكيان بعد القضاء عليها... وعلى صعيد الجسد، نرى الظاهرة نفسها أثناء الصراع بين الكريات البيضاء والجراثيم التي تدخل إذا ما جُرح أحدهم على سبيل المثال. إذاً ينشأ الألم نتيجة صراع، بل هو شعور الصراع بين ما هو إيجابي وما هو سلبي في النفس أو الجسد.

ما هي فائدة الألم؟ من منطلق أن وجود أي شيء في الإنسان ليس عبثي بل له سبب وجيه وهدف.

إن الألم هو بمثابة إنذار للإنسان، إن كان أوجاعاً على صعيد الجسد أو ألماً نفسياً على صعيد الفكر والمشاعر، عند القيام بعمل مضر أو عند اعتماد طريقة حياة سلبية. فالإنسان سيشعر، ولو لاوعياً منه، أن الطريق الذي يتبعه سلبي... فيستحثه ذلك عاجلاً أم آجلاً لطرح الأسئلة وتقييم الوضع من جديد. وسيلاحظ أن الألم يتدنى، عند اتخاذه طريقة حياة معاكسة لما كان عليه. فيبدأ بتفضيلها عن الطرق الأخرى، وبإزالة سلبياته، معاوداً مساره على الدرب الصحيح حيث ينتفي الألم تدريجاً. فالألم يبدو للبعض عصاً ظالماً، فيما هو بمثابة عصاً مرشد يتحسس به الإنسان طريقه في غرفة لاوعيه المظلمة...

إن هدف الألم هو حثّ الإنسان للتمييز بين الخطأ والصواب... والتمييز سمة خاصة بالعقل. لذلك نلاحظ أن الأخطاء تبدأ عامةً في العقل، فتنشأ السلبيات في بادئ الأمر على المستوى الفكري. حتى في الجسد، ترتبط الأوجاع بالدماغ (أداة العقل) الذي ينظّم ذلك الشعور بحيث تصله الرسائل العصبية من المستقبلات الحسية ليترجمها أوجاعاً ثم يوجه الإرشادات إلى العضلات لإبعاد العضو المعرض للخطر عن مسبب تلك الأوجاع.

يتخذ الألم أردية عديدة تختلف حسب مستوياته، فيكون قلقاً وفراغاً وتململاً على مستوى الفكر، ينجم عن انقطاع الفكر عن العقل السامي وانغماسه في المنطق السلبي... كذلك إحباطاً في المشاعر يعكس حالة ذبذباتها الفارغة من شعور المحبة وغير المنسجمة مع الفكر... ووجعاً في الجسد يعكس ذبذبات أجسام النفس الداكنة والفارغة من الوعي جراء السلبيات... لكن الألم يبقى الصاقل الأكبر للنفس، وهو الأمل المرجو والأداة الضرورية لتنبيه الإنسان لاتخاذ المسار الصحيح.

إن الآلام هي ركيزة الآمال،

آمال تسريع الوعي والاكتمال

آمال توعية النفس لتحقيق الذات

ومن لا يرى منتهى العطف في الآلام

لم يفهم بعد العدل والحكمة في الحياة

كيف يستفيد المرء من رسائل الألم وإنذاراته لتجنّب السلبيات في الحياة؟

ما أن تلبث السلبيات ان تولد في الجسم العقلي الأدنى، وتتجسد في أفكار غير إيجابية، حتى يبدأ الألم بالظهور في شكل ضجة فكرية وذبذبات تفتقر إلى الفهم. فإذا انتبه المرء أن فهمه تباطأ واستلهامه تدنى، ولجأ إلى التقييم الذاتي ومعالجة السبب فكرياً، عاد بذلك إلى حالة الوعي واكتسب الخبرة بالتماهي أو التماثل النظري (Simulation)، من دون عواقب أخرى.

أما إذا صرَف المرء النظر، وانتقلت تلك السلبيات إلى نطاق المشاعر، انتقل الألم أيضاً إلى الجسم الكوكبي (جسم المشاعر الذبذبي التكوين Astral Layer)، حيث تعتريه حالات نفسية مزعجة، تنذر صاحبه مجدداً إلى خطورة السلبية. هنا يصعب العلاج، بحيث ينبغي على المرء إدراك الخطأ فكرياً وتصحيحه، ومن ثَمَّ لجم المشاعر وترويضها وصولاً إلى تضميخ فراغات ذبذباتها بالوعي المطلوب، الوعي الذي يعيد الانسجام بين المشاعر والفكر من جديد.

وإذا ما تغاضى المرء مرة أخرى عن السبب، تنتقل السلبيات إلى الجسم الأثيري (جسم الصحة Aura)، فتخف مناعته، وتضعف طاقاته، ويصبح الوضع أصعب وأصعب، بحيث ينبغي على المرء أن يستعيد توازن الطاقة في الأورا (Aura)، بعد الخطوات السابق ذكرها على مستوى الفكر والمشاعر .

اما في حال لم يتوعَّ المرء عند هذا الإنذار الثالث، فتنعكس تلك الإنذارات أوجاعاً ومرضاً في جسده، تختلف مع اختلاف مستوى السلبية ومدى استمراره فيها.

هنا يصبح المسار المعاكس، أمراً يستلزم الجهد والمثابرة، خصوصاً إذا أطال المرء انغماسه في السلبيات وارتكاب الأخطاء، وتوارثها الفكر عبر أعوام عديدة... فمعاودة العمل بعد الاستراحة الوهمية في أحضان اللذة سيستلزم مجهوداً أكبر ووقت أطول.

يتخذ الألم أردية وأشكال عديدة نتيجة اختبارات الإنسان في حياته. هذه الأردية هي من نسيج الوعي الباطني كردة فعل منه. لكن جهل الإنسان لخفايا ذلك الوعي الباطني ينعكس جهلاً لما يحصل معه من آلام، فلا يدرك أسبابها أو علاقتها مع السلبيات والانفعال!

مثلاً على ذلك، إن الإنسان لا يستطيع أن يفهم علاقة الأوجاع بالأسباب الجسدية أو الباطنية، كون "وعي الجسد الباطني" مستور عن مدارك الإنسان العادي. فكيف بالحري على صعيد جسم المشاعر الغافل في أوقات اليقظة، والجسم العقلي المنغمس في دهاليز الفكر المادي؟!

بين اللذة والألم:

والألم هو أيضاً، الوجه الآخر للّذّة. فاللذة تشكل حافزاً للقيام بشتى الأعمال الحياتية، وهي أداة للانطلاق نحو الخارج... إلا أن ذلك الانطلاق تُلزمه قوانين ومقاييس، لذا كان لتلك الأداة قطبين، أحدهما يجذب والآخر يبعد، كي لا يستسيغ الإنسان مطولاً اللذة وتصبح هدفاً، فيما هي ليست سوى أداة، قدرها أن تزول بعد تأدية وظيفتها. أما القاسم المشترك بين اللذة والألم فهو إيقاظ مَلَكَةَ التمييز في الجسم العقلي!

إن اللذة والألم متلازمان دوماً لتحقيق التوازن الباطني في مراحل التطور المختلفة. وكما ورد في كتابنا محاضرات في الإيزوتيريك جزء 1 ص 26 " شعور اللذة هنيهة تستفزّ الإنسان إلى التقدّم. أما التقدّم فألم مستمر عبر مراحل يَشْعُرُ بلذّاتها عند الانتهاء من كلّ منها..."

والتطور في الوعي يستدعي اختبارَ شتى الأمور الحياتية، فالوعي لا يتحقق إلا في وجود قطبين والمقارنة بينهما. لذلك يسبر الإنسان معترك الحياة وعالم المادة ليكتشفها ويكتشف نفسه في أبعادها... والتفاعل والتغيير في وعيه جرّاء الخبرات الجديدة يولّد نوعاً من اللذّة... لذة شبيهة بشعور طفل عند خطواته الأولى، أو استمتاع ولد بلعبة جديدة، أو انبهار مراهق بقبلته الأولى، أو انتشاء راشد بانجازه الأول...

من هنا، احتاج الإنسان إلى القطب الثاني – الألم، ليتعرف من خلاله إلى معايير اللذة التي تناسبه، وتتوافق مع النظام ومع هدف وجوده. ولذلك، سُكب الألم في كؤوس، تذوب فيها اللذة تدريجاً، ولا يبقى سوى نشوة الوعي ومذاق التوحّد - الإنجاز!

باكتشافه أبعاد الحياة، يكتشف الإنسان أيضاً النظام الذي يسيّرها والألم (ألم التجربة والفشل) كان ولا زال الأداة التي تبيّن له أسس ذلك النظام. هذا الألم هو بمثابة البوصلة التي ترشد المرء وهو يبحر في محيطات الحياة، فتزوده بالمسار الصحيح. وكما ورد على غلاف كتاب الإيزوتيريك عاد ليخبر "الألم ليس عديم الجدوى،... جهل الإنسان بمعنى الألم، وبغايته، هو ما يجعله عديم الجدوى في نظره!"

بعد أن يفهم الإنسان معنى الألم وهدفه، يبدأ بالبحث عن طرق لتجنب الألم وتخطيه. لكن الشخص المتفوّق لا يعود يسعى إلى ذلك كهدف... بل إلى الاستفادة من نعمة وجود الألم، لاكتشاف الاتجاه الأصح في التطور ولكشف النقاب عن السلبيات المتخفية والهاجعة في طيات الاوعي، فيتلاشى الألم عندها تلقائياً ويتحول إلى معاناة واعية... معاناة الجهد الداخلي البنّاء في سبيل التطوّر الذاتي أو في سبيل العطاء ومساعدة الآخرين...

قد نجد معنىً واحداً لكلمات "الأوجاع" و"الآلام" و"المعاناة" في بعض القواميس. أما في موسوعة الإيزوتيريك الدقيقة فتختلف المعاني وتتميّز بحسب تراتبية درجات الوعي التي ترتبط بهذه الحالات. لذلك عندما نتكلّم عن الأوجاع هنا، نعني بها تفاعلات في حيّز الجسد فقط، ونقصد بالألم تلك الحالة المزعجة على نطاق النفس البشرية، أي في ما يخصّ الفكر والمشاعر، أما على مستوى الذات الإنسانية وما يتعدّاها، فندعوها "معاناة". معاناة الطموح نحو الأفضل والأكمل والاشمل.

"المعاناة" كلمة وجدانية، تطوي بين أحرفها معانٍ كثيرة، حتى أن تلك الأحرف تشكل في أولها كلمة "معانٍ". وفي كلّ معاناة معانٍ محددة وخلاصات وعي مفيدة، أي طموح يتحقق عبر مراحل.

الخطوات التالية تساعد في عملية الارتقاء من الألم إلى المعاناة الواعية:

1. أولاً، عندما ينوء الزمن بالعقبات والمصاعب، يلزم استبدال لوم الظروف الخارجية، بالتقييم الذاتي والسعي لمعرفة أسباب الألم الداخلية. هنا، صدق الأديب إيليا أبو ماضي عندما قال "...وترى الشوك في الورود وتعمى أن ترى فوقها الندى اكليلا"

2. ثانياً، تحمُّل شعور الألم بالتعوّد على الصبر والقوة. لكن الأهم يكمن في استعمال رسائل الألم كأداة توعية بدلاً من الشعور بها وحسب...

3. ثالثاً، الاستفادة من الوقت. فالألم ينطوي بين حقبات الزمن، وسنواته، وساعاته، ليكون في كل هنيهة، منبهاً للإنسان، إذا ما تلكأ في التطور و تباطأ في الارتقاء...

4. رابعاً، وضع السلبيات نصب العينين والسعي لإزالتها كهدف أساسي أولي... وإبقاء الفكر متوثباً لأي سلبية دخيلة أو قديمة بدأت تتوسع فيه، من دون أن يعميه وقع الألم أو شعور اللذة. هكذا يتمكن المرء من استخلاص عِبرة الوعي (الأمثولة) من عَبرَة الألم (الدمعة)... ولا عجب أن أحرف كلمة "ألم" هي نفسها أحرف كلمة "ألمَّ"، فما من أحد ألمَّ بشيء من دون ألم، ومعاناة جرّاء السعي المستمر.

5. خامساً، الاعتدال في كلّ شيء وتجنّب التمادي مطولاً في مذاق اللذة على مائدة الخبرات الحياتية، حيث انسكبت أيضاً كؤوسُ الألم، لتحقق التوازن...

6. سادساً، إن كأس المعاناة يجب أن تمتلئ على الأرض، وذلك نسبياً مع درجة الوعي، فإما أن نملأ تلك الكأس بالمعانات الواعية وبما يفيد تطورنا، وإما أن نتركها رهن سيطرة الوعي الباطني وما يكبده المجهول من مصاعب...

7. عندما يتحوّل الألم إلى معاناة واعية، على الإنسان أن لا يتهرب من ذلك الشعور، بتفضيله الركود في الظروف المعيشية على ذلك الجهد الداخلي البنّاء... بل أن يعشق ذلك العناء الذاتي ويحاول أن يفهم وقعه في أجسامه الباطنيّة، ويتبناه في كل لحظة، خصوصاً ذلك المجهود الهادف إلى تحويل ما هو نظري إلى انجازات عطاء عمليّة.

أما الأداة لانجاز ما ورد فهي الإرادة والعزم والمثابرة... فالألم هو بمثابة حجارة تحيط بمجرى ينبوع الخبرات الذي يتدفق بتجدد، لتصحح مساره عبر ارتطامه بها، ريثما يلتحق بجدول نحو البحر... فهل نتحاشى الألم ونبقى في مستنقع جامد، تكسوه أوراق الخريف من الخجل؟

لا شك أن اكتساب الوعي هو الفن الأرقى على الأرض... فالحياة تزود الفنان بألوان اللذة والألم كأداة اختبار... ويبقى لريشة الفنان أن تمزجها بتناسق وانسجام لتكون رداءً لمعنىً راق وهدف سامي... في اللوحة المكتملة.

خلاصة القول، ما من لذة عميقة من دون ألم، وما من إنجاز من دون معانات. فلنتعلم أن نفهم الحياة على هذا النحو، فنرتقي إدراكاً وفهماً. عندئذٍ تنسكب المصاعب درجات على سلالم الوعي.


المراجع :

عَبْرَة الألم تتحوّل إلى عِبرة وعي
بقلم زياد دكاش
مجلّة الأبعاد الخفيّة – شهر آذار 2005
http://www.esoteric-lebanon.org/painevolution.htm
avatar
سقراط الاشقر
Admin

عدد المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 04/07/2008
العمر : 39
الموقع : www.sokrat.my-goo.com

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://sokrat.my-goo.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى