العودة الى التجسد حقيقة أم وهم؟!... وهل تكفي حياة واحدة لنا على الأرض؟!

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

العودة الى التجسد حقيقة أم وهم؟!... وهل تكفي حياة واحدة لنا على الأرض؟!

مُساهمة  سقراط الاشقر في الثلاثاء سبتمبر 30, 2008 5:18 pm

العودة الى التجسّد حقيقة الوجود، (أو كما هو متداول التقمص) مرتبطة بقانون العدل الإلهي، ذلك الدستور عدله عدل، يحتّم على الإنسان التجسّد في أمكنة معينة من الأرض بغاية تفتيح وعيه، ينتقل بعدها الى عالم الماوراء للراحة والتعلّم. يمكننا تشبيه عملية العودة الى التجسد بقطرة الماء (التي تمثّل الروح) بعدما غادرت محيطها عبر عملية التبخّر مشكلة سحبا" في الفضاء كي تعود الى الأرض مع المطر الذي يهطل على قمم الجبال متجهة الى محيطها عبر الجداول والأنهار الى أن تعي القطرة جميع قطرات المحيط...

هكذا الإنسان شبيه بقطرة الماء، يغادر المحيط الكوني قاطعا" المسافات... ليتجسّد على الأرض، علّه يفتّح لاوعيه من خلال ذلك العَودُ المتواصل الى الأرض حاضنة الوعي البشري.

كتاب التقمّص أهو حقيقة أم خيال؟ للأستاذ قيس غوش ورد فيه ما يلي:

"كلمة تقمّصَ، تقمّصا": مطاوع قمّص، لبس القميص. وتقمّصت الروح، بمعنى انتقلت من جسد الى جسد آخر. أما التناسخ فهو انتقال النفس الناطقة من بدن الى بدن آخر بعد الموت، من غير تخلّل زمان. والتناسخ عقيدة شاعت بين الشعوب القديمة مؤداها أنّ روح الميت تنتقل الى موجود أعلى أو أدنى لتنعم أو تعذّب جزاء على سلوك صاحبها الذي مات. ومعنى ذلك عندهم أن نفسا" واحدة تتناسخها أبدان مختلفة إنسانية كانت، أو حيوانية، أو نباتية.



وقد عبّر الهندوسيون عن التقمص بالكلمتين السنسكريتين سمسارا -فادا samsara-vada ، وبونارجانما pounarjanma . فيما الشعوب الناطقة بالإنكليزية تعبّر عن التقمص بعبارتي reincarnation و rebirth. فالتعبير الأول يعني لغة التجسد ثانية، أما العبارة الثانية فهي من كلمة

birth ومعناها الولادة. أما الشعوب الناطقة بالفرنسية فتعبّر عن التقمص بلفظة métempsycose ،وقد فسّرها المعجم الفرنسي لاروس، بأنها رحلة النفس من جسد الى آخر. أما عبارات: renaissance ،و vies successives ،و métempsycose ،و reincarnation

و mémoire extra -cérébrale ،و métensomatose ،و transmigration des âmes ، فيعني كلّ منها شيئا" مختلفا"، ولكنها تتفق في مبدأ إنساني لها، هو أن هناك حياة جديدة على الأرض لا بد منها. "



الايزوتيريك يفرّق بين العودة الى التجسّد والتقمص، فالأولى تشير الى أن الإنسان يرتدي جسدا" جديدا" لدى عودته مجددا" الى الأرض، فيما الثانية تشير الى حالات أربع من التجسد: نسخ- مسخ - فسخ ورسخ. بمعنى أن العَود الى الأرض قد يكون في شكل إنسان،أو حيوان، أو نبات، أو جماد، أربعة دوائر من الخلق. النسخ مرتبط بتوالد الإنسان مجددا" بين البشر، والمسخ يشير الى التوالد ضمن فصيلة حيوانية معينة. الآية القرآنية الكريمة الواردة في سورة المائدة - سورة 5 - الآية 60،ذكرت:"

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ


أما الرسخ فيشير الى العودة في شكل نباتي، فيما الفسخ يتبلور في العودة بشكل جماد معين... جاء في العهد القديم، تكوين 19: 26 أن امرأة لوط صارت عمود ملح. فهل هذا يمكن اعتباره فسخ؟!

إن حالات التقمص الأربعة لا تنطبق على الإنسان إلاّ في حالة النسخ،وما الجينات الوراثية إلاّ أكبر دليل على ذلك، كونها تقوم بنسخ خبراتها السابقة من جيل الى جيل عبر مكوّنات وعي الإنسان الخفية، والتي اصطلح على تسميتها بالأجسام الباطنية، فالإنسان يعود إنسان في أغلب الأحيان، إلاّ إذا تدرّك وعيه الى الحضيض ...

كتاب الإيزوتيريك العودة الى التجسّد... واقع أم وهم؟! (منشورات أصدقاء المعرفة البيضاء في بيروت) يفيد بما يلي: " أن الذبذبات المخزونة في الوعي الباطني والأجسام الباطنية...هي التي تفرض شكل الجسد أثناء تكوينه، وذلك حسبما تحمله من دورات حياتية سابقة. أما المكان الذي تحفظ فيه تلك الذبذبات، فهو فيما يعرف طبيا" باسم ARN وبالتالي تأتي الجينات الوراثية، أو ADN كحصيلة أو معلومات تلك الذبذبات، لا بل تجسيد تلك الذبذبات في الجسد المادي."

العبارة التالية باللغة الإنكليزية التي قرأتها على شبكة الإنترنت قد توضّح المقصود :"we mould our lives like a potter fashions a pot". بمعنى أننا نشكّل حيواتنا كالفاخوري الذي يصنع الأدوات الفخارية. وهذا يشير الى أن حيواتنا السابقة التي عشناها خلال فترة وجودنا السابقة على الأرض، تنعكس نتائجها على تصرّفاتنا وأفعالنا وحتى على شكل جسدنا المادي الذي هو انعكاس لها. عادة الشكل القبيح يعكس صفات المرء السيئة،وعكسه صحيح، حينما يكون الشكل متناسقا" جميلا" يعكس الجمال الداخلي، اشراقة الوعي في الكيان. " فكل إناء ينضح بما فيه"، إلاّ إذا شرد الإنسان عن الدرب القويم وتاه في الملذات الأرضية، أو أتى هذا الجمال لتحسين نسل معين... وهذا ما ينفي وجود عامل الصدفة والموهبة والحظ كما يدعي البعض.

القرآن الكريم في سورة البقرة- سورة2 -آية 28 جاء فيها:" كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا" فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون." أما سورة مريم فتختم الحديث عن النبي يحيى،(يوحنا المعمدان) بالقول:" وسلام عليه يوم يولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا" ( الآية 15). وهي الآية نفسها التي توردها سورة مريم فيما بعد على لسان السيد المسيح قائلا" عن نفسه:"والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا". (الآية 33)

وفي مقابلة أجريتها مع الأب الدكتور يوسف يمين عما جاء ذكره في إنجيلي متى ولوقا، حينما قال السيد المسيح إن مجيء يوحنا المعمدان هو مجيء إيليا المنتظَر، فقد قال عن يوحنا المعمدان: » فَهذَا هُوَ إِيلِيَّا الْمُزْمِعُ أَنْ يَأْتِيَ. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ« (متى 11:10-15). وبأن يوحنا جاء بروح إيليا النبي وقوته (لو 1: 17). . أفادني:" أن العودة الى التجسّد حقيقة هدفها الترقي". وهل يمكن أن يحدث الترقي إلاّ عبر معرفة النفس والذات والوجود؟! وهل تكفي حياة واحدة لبلوغ المرام؟!

وأوريجانيس عبقري المسيحية الأولى (في موسوعة المعرفة المسيحية - آباء الكنيسة عدد 3 ) ذكر ما يلي:"لا يمكن للروح البشرية أن تبلغ الطهارة الأصلية من خلال مرور واحد الى العالم الماديّ، إذ إن هناك بعض الأرواح تتابع سقوطها باستمرار، في حين يتمكن البعض الآخر من الصعود الجزئي، مما يحتم عليها معاودة التجسّد في عوالم وأزمنة متعدّدة ومتتالية، الى أن تبلغ وحدتها الأصلية."

أبو الفلاسفة سقراط (في سلسلة عباقرة خالدون، تأليف محمد كامل حسن المحامي) ذكر:"الموت ليس نهاية وجود الإنسان في هذا الكون العظيم، إنه نهاية هذا الجسد الفاني، ولكن روحي ستعيش مع غيرها من الأرواح الطاهرة في كنف الإله الواحد الذي يبعث الأرواح الى الأرض."

أبو الرياضيات فيثاغوراس مؤسس أول مدرسة أيزوتيريكية في القرن السادس ق.م. في كروتونا كان يؤمن أيضا" بتناسخ الأرواح وانتقالها من جسد الى آخر.

وموسوعة أبعاد تخطي المعرفة (ما وراء الخط الأحمر للمحامي موسى برنس، المجلد الخامس) ورد فيها على لسان العالم Stevenson:" أن نطق الطفل بكلمات أجنبية عنه كما حدث في بعض حالات العودة الى التجسّد... تفترض الإلمام السابق بهذه الكلمات..."

أما عالم النفس كارل يونغ فقد ذكر:" بأننا خلقنا متساويين، لكننا لم نولد متساويين." ألا يشير ذلك الى العودة الى التجسد جراء الاختلاف في الخبرات المكتسبة سابقا" في ماضي وجود الإنسان على الأرض؟! علما" أن هنالك العديد من الأطباء النفسانيين يستخدمون التنويم المغناطيسي، في معالجة مرضاهم، فيعيدونهم الى دورة حياتية سابقة حيث نشأ فيها المرض النفسي كي تتم عملية شفائهم.

الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة ( في المجموعة الكاملة - المجلد السابع) أشار:" الى أن الإنسان لابد له من فسحة أطول بكثير من عمر واحد. فالزمان كله هو الفسحة المعدّة له ليبلغ غايته. لذلك تراني اعتنق عقيدة التقمص."

والأديب اللبناني جبران خليل جبران في موسوعته الكاملة، ورد في نص له بعنوان الوداع، ذكر فيه:"الضباب الذي يفارق الأرض عند بزوغ الفجر من غير أن يترك سوى قطرات صغيرة من الندى في الحقول إنما يرتفع في الجو لكي يجتمع هنالك فيؤلف السحاب الذي لا يلبث أن يعود الى الأرض مطرا" غزيرا"."

فعبر دورات التجسد المتتالية على الأرض، يبحث كل من الرجل والمرأة عن نصفه الأفضل من اجل إكمال مسيرة الحب والزواج في وحدة مكتملة على درب الوعي الذي سنّته الحياة. وفي كل دورة حياتية على الأرض، يلتقي الرجل بالمرأة التي يعتقدها نصفه الأفضل، فيكتسب منها ميزات وخصائص وخبرات جديدة. لكن روحه التائقة الى وعي الحقيقة تتابع عمرا" بعد عمر، وجيلا" بعد جيل، تتابع سعيها من أجل إيجاد توأم روحها الذي انفصلت عنه في البدء، النصف الذي يكملها، الذي تكتمل به. والسعي نفسه طريق المرأة. وهذا السعي لن يتوقف إلاّ متى التقت الروح بنصفها الأصيل واكتملت وإياه، أي متى عاد الإنسان كاملا" واعيا" لكماله...

لذا يتجسّد الإنسان على الأرض مرة تلو مرة، ليتكامل بوعيه وينمي مقدراته الباطنية... ليتحقّق أنه كائن كبير كبير، كلما وعى كيانه الباطني ترقّى على معارج المعرفة مكتسبا" حكمة العمل والتصرف،وليصحح ما اقترف من ذنوب وآثام بحق نفسه والآخرين، ثم ليعي انه اخطأ حين لم يعطِ اللاّمادة حقها من الحياة ومن الوعي والتطور، مما حتّم عليه العودة الى حالة الإنسان الحجري في وعي ذاته.

يتجسّد الإنسان ليدفع ثمن أفعاله الخاطئة وليتوب عنها، وليساعد أخيه الإنسان على النهوض بوعيه وليتوعّى الى هدف وجوده، بعدما أدرك معنى الألم والسعادة، فتكشّفت أمامه حقيقة الازدواجية التي يحيا ضمنها.

يتجسّد الإنسان لينقذ الساقطين... ويوقظ النائمين بإرشادهم الى مغزى درب الباطن، حيث السعادة كل السعادة تكمن في وعي المادة واللامادة على قدم المساواة في كيانه، كي يتحوّل من طفل في الوعي الى راشد فيه... كما وردة الربيع تتفتّح وريقاتها لدى ملامسة أشعة النور لها!

فالأرض تعتبر مدرسة للبشرية جمعاء، هي كالأم الحاضنة لأولادها، بين ربوعها يترعرع وينشأ الإنسان ويرتقي وعيا". وما دام طفلا" في وعي ذاته، فإليها يعود ليولد من جديد. وهذا ما يثبت أن التجسّدات المتكررة للإنسان ليست إلآّ لتضييق رقعة لاوعيه وتوجيه مسلكه نحو الصواب.

أما لماذا الإنسان لا يتذكر حيواته السابقة؟! يجيب كتاب الإيزوتيريك العودة الى التجسّد حقيقة أم وهم؟! بما يلي:" إن كنت لا تذكر ما الذي فعلته منذ بضعة أسابيع، فهذا يدل على أن ذاكرتك عاجزة عن احتواء الماضي القريب. فكيف تتوقع منها أن تحفظ الماضي البعيد؟! وكيف لك أن تتذكر وجودا" مضى منذ مئة أو مئتي عام؟!".

حقيقة العودة الى التجسّد تتجلّى لنا معالمها من خلال بعض المعلمين الكبار، أمثال بوذا ويسوع الناصري، الذي تجلّى لتلاميذه بعد مماته. هؤلاء هم المتّحدون بالنور الكلي... الذين حققوا هدف الوجود من خلال العودة الى التجسّد. أما أمثالنا من البشر، فعليهم المكوث فترة زمنية في عوالم الأجسام الباطنية... ثم التجسّد على الأرض مرارا" وتكرارا" الى أن نحقّق التطور المنشود.



نشرت في جريدة الديار بتاريخ 24/4/2008



المهندس طوني عبد النور

أستاذ في الجامعة اللبنانية
avatar
سقراط الاشقر
Admin

عدد المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 04/07/2008
العمر : 39
الموقع : www.sokrat.my-goo.com

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://sokrat.my-goo.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى